محمد أبو زهرة

1587

زهرة التفاسير

وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً هذا الكلام في بيان العدالة مع النساء في المعاملة ، فلا يصح أن يستهان بحقوقهن التي ينشئها الزواج ، وأولها المهر ، فالصدقة هنا هي المهر ، وسمى صدقة لأن تقديمه يدل على صدق النية ، والإخلاص في طلب الزوجة ، فمن أخلص في طلب يد امرأة قدم لها ما يليق بمثلها تكريما لمعنى الزوجية ، وتشريفا لتلك العلاقة ، وقال تعالى : نِحْلَةً ومعناها عطاء بطيب نفس ، وهي « فعلة » من نحله ينحله بمعنى أعطاه هبة صادق النية ، وفسرها بعض العلماء بمعنى فريضة واجبة ، وقد فسرها بذلك أبو عبيدة ، وقال الزجاج في آتوهن صدقاتهن نحلة ( تدينا ) أي أن الدين أوجب ذلك ، والخطاب لجماعة المؤمنين يوجب أداء المهور صادقي النية طيبي النفوس متدينين بهذا العطاء . فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً الحياة الزوجية لا تقوم فقط على التكليف الواجب ، بل تقوم على المودة الرابطة والتسامح ، وقد يجهد الرجل المهر كله ، فيقتضى حسن العشرة أن تترك بعض مهرها طيبة النفس ، وليست المهور كسائر الديون ، إنما هو دين فيه معنى الهدية ، ولذلك فتح الشارع الباب لمثل هذه المعاني . ولذلك قال تعالى : . . . وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 237 ) [ البقرة ] ومعنى طابت نفسها رضيت من غير تورط ، ولا تغرير ولا ضغط ولا إرهاق ، وطيبة النفس بالعطاء أرق من الرضا به ؛ لأن الرضا قد يتصور مع التورط أما طيبة النفس فلا تتصور إلا بالسماح ، بل من غير طلب بالتصريح أو بالإشارة ، ومعنى هنيئا ، أي لا ألم في أخذه ، ومعنى مريئا حسن العاقبة ، وأكل المال أخذه ، فلا يراد بالأكل هنا حقيقته ، بل يراد الأخذ الذي يؤدى إليه . وقد كان يحدث أن بعض الناس يرهقون زوجاتهم ليتركوا بعض المهر أو كله ، فكان الفقهاء حريصين على أن تتوافر الحرية كاملة في العطاء ، ولذا كتب عمر - رضي الله عنه - إلى بعض قضاته : « إن النساء يعطين رغبة ورهبة ، فأيما